“رهين” الأزمتين!

قراءة: سامي الجارالله

يأتي فيلم “رهين” (2025)، بطولة عبدالعزيز السكيرين ومحمد الدوخي، إخراج أمين الأخنش، كإنتاج مثالي لتعاون يجمع “تلفاز١١” ونتفلكس. “الخلاط” الذي ابتكره التلفازيّون قدّم مزيج سعودي سينمائي يراهن على الخلط بين الكوميديا السوداء والتشويق، لا من أجل الإضحاك وحده، بل للاقتراب من منطقة أكثر حساسية: منطقة “لمّا ينحدّ الآدمي على أقصاه”، وتكبلّه أزمتين، فتصبح رقبته على حد سكين الأزمة المالية وأخلاقه على مرصد المبادئ، وينجرف لاتخاذ قرار لا يشبهه.

الفيلم لا يطرح حكاية طريفة فحسب، بل يقترح سؤالًا مزعجًا: إلى أي حد يمكن للأزمات أن تبرّر الانجراف؟

لا يتعامل “رهين” مع الجريمة بوصفها فعل شرّ صريح، بل كنتيجة منطقية لمسار خاطئ بدأ بنيّة النجاة. البطل ليس مجرمًا تقليديًا، بل فرد عادي، يتكئ الفيلم على هشاشته أكثر مما يتكئ على دهائه (وهو ما حدث في فيلم John Q للنجم دينزل واشنطن حرفيًا باختلاف نوع الأزمة.. وتحول فرد بسيط إلى مجرم عن غير قصد). هنا، لا يُدان الفعل مباشرة، بل يُترك للمشاهد أن يرى كيف يتحوّل الحل المؤقت إلى مأزق أخلاقي كامل، وكيف تتآكل الحدود بين الخطأ والضرورة.

هذا التذبذب انعكس على بعض مشاهد الفيلم حيث استرسلت في لحظات، وربما كان هذا لخشية ترك باب التأويل مفتوحًا، فيتم التوضيح كل مرة، مما شكّل “مسكّنًا” لصداع التوتر الذي من المفترض أن يخلقه الفيلم دون التدخل في علاج المتلقي.

وبالمرور على شخصيات “رهين” نجدها بالمجمل شخصيات مرتبكة، عدا “الجدّة وحفيدتها”. فالبطل ضعيف “عائليًا” وماليًا وعاطفته هي الجانب الإيجابي المشع في دوره.. متخبط ويكذب، ويسير على حبل غسيل بين سطحين دائمًا. يعرف أن ذلك مستحيلاً ويفعلها ويسقط ويتألم، ويعاود الكرّة. أما الشخصيات الأخرى هي الخيوط التي تحرك الصراع وتخنق الأزمة في نفس الوقت بسبب الدوافع الغائية المادية لكل منها.

اللغة البصرية والصوتية في الإخراج بسيطة ومنطقية، تعمل على الرصد والتماهي مع الحالة وشعور المشهد بشكل متوازن وبلا استعراض مبالغ فيه، مما ساهم في ترك الأثر المناسب لدى المشاهد.

العمق النفسي كان محور أداءات الممثلين، أكثر من الانفعالي، وهو ما عزز الأسلوب السردي في القصة. وكما أشرت حول “ألفة الأزمة” في أعمال سينمائية سابقة، أذكّر أيضًا أن ثيمة “الخطف والفدية” تعتبر من أكثر الأفكار استهلاكًا في السينما في كل مكان، وغالبًا ما تُستخدم “وصفة تشويق سريعة التحضير”.

وسط هذا الإرث الكليشيهي، يحاول “رهين” أن يغيّر زاوية النظر، بتقديم الخطف هنا ليس كفعل قوة، بل فعل ضعف، وليس كمؤامرة محكمة، بل قرار مرتبك نابع من انحسار الخيارات. ومع ذلك، يبقى التحدي حاضرًا: إذ إن الفكرة، مهما اختلفت معالجتها، تحمل ثقل تاريخ طويل من الاستهلاك السينمائي، ما يجعل الابتكار الحقيقي مرهونًا بمدى القدرة على تفريغها من صورتها النمطية. ينجح الفيلم جزئيًا في ذلك عبر نبرته الإنسانية ونزعته الأخلاقية، لكنه يظل في حوار مباشر مع كليشيه يصعب الفكاك منه كليًا.

من أبرز مكاسب رهين ما يقوله ضمنيًا لا تصريحًا: عن هشاشة الفرد أمام الضغوط الاقتصادية والالتزام الأخلاقي، ويغوص بشكل أعمق في انفصاله المتراكم، عن نفسه، عن أسرته، عن محيطه الخاص، وعن المجتمع، مما أوقعه في المحظور بشكل مباشر.

ينتهي الفيلم بإغلاق الجرح وخياطته، دون معرفة ما إذا كان الجرح ما زال ملتهبًا بعد الخياطة.. وماذا عن هذه الندبة؟!

وفي سياق تجارب السينما السعودية، يُحسب لفيلم “رهين” أنه يطرح سؤالًا أخلاقيًا، لا مجرد حكاية عابرة، وأنه قدّم فن يخلق “قلق” وتسلية بذات الوقت.

وأخيرًا، في أداءات الممثلين، محمد الدوخي فنان مميز ويملك كاريزما مختلفة في الشاشة منذ أعمال اليوتيوب، وهذا الدور -بالرغم من إتقانه- إلا أنه امتداد لأداءات عدة قدمها الدوخي في السينما (باستثناء الأداء الفارق الذي قدمه في “الخلاط+” في قصة الابنة التي تحاول إنقاذ زواج والديها)، وهو ما لا نتمناه أن يحدث في السينما السعودية “العدوى البيوميّة: موهبة عالية، يحرقها أداء متكرر”). هذا ما نجا منه في المقابل يزيد المجيول. حيث كنت مع كل دور جديد يقدمه، أخشى أن يكرّس نفس الشخصية، إلا أنه نجح مجددًا (بعد أداء مسلسل فبراير الأسود أيضًا) في الرهان على موهبة قادرة على التكيف مع الشخصية أكثر من كونها تطغى عليها، وبتقديم الأداء غير المتكلف بطريقة عفوية مستساغة فنيًا.

وجدير بالإشارة، أنه يُحسب أيضًا للمخرج أمين الأخنش أنه قدّم وليمة متناسقة ومتوازنة باختياراته للممثلين، إبتداءًا من الممثل المتمكن عبدالعزيز السكيرين، مرورًا باللاعب الكبير سعيد العويران، إلى أن نصل للوجوه الجديدة: عبدالله الدريس، علي بن مفرح، خالد حويجان، أبرار فيصل، والممثل السوداني الجميل أيضًا، وكذلك الجدة وحفيدتها.

الزبدة: فيلم “رهين”، رغم ثقل موضوعه، فهو خفيف ظريف، ومسلّي.. والأهم: يترك أثر.

الصفحات: 1 2


أضف تعليق